
مقال للنقاش :
هل ظلمنا كلمة “المهنية”؟
أكثر من عشرون عامًا قضيتها خلف عدسة الكاميرا. بدأت رحلتي في زمن كانت فيه الكاميرا تحتاج إلى فريق كامل، وكانت المادة المصورة تمر بمراحل طويلة قبل أن تصل إلى الشاشة. كنا نتعلم أن كل لقطة مسؤولية، وأن كل كلمة أو صورة قد تؤثر في وعي الناس، لذلك كانت المهنية جزءًا من تكويننا قبل أن تكون وصفًا لوظيفتنا.
ثم تغير العالم.
دخل الهاتف المحمول إلى ساحة الإعلام، واختفت الحواجز التي كانت تفصل بين من ينتج المحتوى ومن يستهلكه. أصبح بإمكان أي شخص أن يفتح قناة من غرفة منزله، وأن يصل إلى ملايين المشاهدين خلال أشهر، وربما أيام، بينما قد تعجز مؤسسة إعلامية عريقة عن الوصول إلى نصف هذا التأثير.
لا أقول هذا بحسرة، ولا أراه نهاية للإعلام كما عرفناه. بل على العكس، أراه واحدًا من أعظم التحولات في تاريخ الاتصال الإنساني. لكن هذا التحول دفعني إلى سؤال ظل يرافقني منذ سنوات:
هل أصبحت كلمة “المهنية” تعني في أذهان الناس “التقليدية” أكثر مما تعني الجودة؟
في الماضي، كان وصف شخص بأنه مهني يعني أنه يمتلك المعرفة والخبرة والانضباط، ويعمل وفق معايير واضحة من الدقة والتحقق واحترام عقل الجمهور. أما اليوم، فكثيرًا ما تُستخدم الكلمة لوصف المؤسسات القديمة وأساليب العمل الكلاسيكية، حتى بدا وكأن كل جديد هو نقيض المهنية.
في الإعلام تحديدًا، تبدو هذه المفارقة أكثر وضوحًا.
قد ينجح صانع محتوى لم يدرس الإعلام يومًا في جذب ملايين المتابعين، لأنه يفهم لغة الجمهور، ويعرف كيف يستخدم أدوات العصر. وفي المقابل، قد تمتلك مؤسسة إعلامية تاريخًا طويلًا وإمكانات ضخمة، لكنها تفشل في التواصل مع الناس لأنها ما زالت تخاطب جمهور اليوم بعقلية الأمس.
وهنا يختلط علينا أمران مختلفان.
هناك المهنية باعتبارها منظومة من القيم: الصدق، والدقة، والتحقق، واحترام الحقيقة، وتحمل مسؤولية الكلمة والصورة.
وهناك التقليدية، وهي مجرد أسلوب في العمل قد يكون مناسبًا لزمن معين، لكنه ليس مقدسًا ولا صالحًا لكل عصر.
ليست الكاميرا الكبيرة أكثر مهنية من الهاتف الذكي، كما أن الهاتف الذكي لا يجعل صاحبه إعلاميًا تلقائيًا. الأداة لا تصنع المهنية، بل الإنسان الذي يستخدمها.
لقد رأيت خلال مسيرتي صحفيين ومصورين يعملون بأبسط الإمكانات، لكنهم كانوا مثالًا للمهنية. ورأيت أيضًا مؤسسات تمتلك أحدث التقنيات، لكنها افتقدت إلى أهم ما في المهنة: احترام الحقيقة.
المفارقة أن التكنولوجيا لم تُلغِ المهنية، بل كشفت معناها الحقيقي. فقد أصبح بإمكان الجميع أن ينشروا، لكن ليس بإمكان الجميع أن يكونوا جديرين بالثقة.
ربما لهذا السبب أعتقد أننا بحاجة إلى إعادة تعريف الكلمة.
المهنية ليست سنوات الخدمة، ولا حجم المؤسسة، ولا شكل الاستوديو، ولا ثمن الكاميرا.
المهنية هي أن تستخدم أحدث أدوات العصر، دون أن تتخلى عن أقدم قيمة في الإعلام: أن تكون أمينًا مع الحقيقة، ومع جمهورك.
ولعل السؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم ليس: هل انتهى زمن المهنية؟
بل: هل أخطأنا في فهم المهنية، حتى أصبحت في نظر كثيرين مجرد اسم آخر للتقليد؟



